ابن كثير

276

السيرة النبوية

فصل إن قيل : قد رويتم عن جماعة من الصحابة أنه عليه السلام أفرد الحج ، ثم رويتم عن هؤلاء بأعيانهم وعن غيرهم أنه جمع بين الحج والعمرة ، فما الجمع من ذلك ؟ فالجواب : أن رواية من روى أنه أفرد الحج محمولة على أنه أفرد أفعال الحج ، ودخلت العمرة فيه نية وفعلا ووقتا . وهذا يدل على أنه اكتفى بطواف الحج وسعيه عنه وعنها ، كما هو مذهب الجمهور في القارن خلافا لأبي حنيفة رحمه الله ، حيث ذهب إلى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين ، واعتمد على ما روى في ذلك عن علي بن أبي طالب وفى الاسناد إليه نظر . وأما من روى التمتع ثم روى القران ، فقد قدمنا الجواب عن ذلك ، بأن التمتع في كلام السلف أعم من التمتع الخاص والقران ، بل ويطلقونه على الاعتمار في أشهر الحج وإن لم يكن معه حج . كما قال سعد بن أبي وقاص : تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا - يعنى معاوية - يومئذ كافر بالعرش - يعنى بمكة . وإنما يريد بهذا إحدى العمرتين ، إما الحديبية أو القضاء ، فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية قد أسلم ، لأنها كانت بعد الفتح ، وحجة الوداع بعد ذلك سنة عشر ، وهذا بين واضح . والله أعلم . فصل إن قيل : فما جوابكم عن الحديث الذي رواه أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أبي شيخ الهنائي ( 1 ) ، واسمه حيوان بن خالد ، أن معاوية قال لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى

--> ( 1 ) في المشتبه 1 / 279 : السبائي .